محمد بن جرير الطبري
160
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول : ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم ، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفيرنا سيئات أعمالهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) * . يقول تعالى ذكره : ووصينا الانسان فيما أنزلنا إلى رسولنا بوالديه أن يفعل بهما حسنا . واختلف أهل العربية في وجه نصب الحسن ، فقال بعض نحويي البصرة : نصب ذلك على نية تكرير وصينا . وكأن معنى الكلام عنده : ووصينا الانسان بوالديه ، ووصيناه حسنا . وقال : قد يقول الرجل وصيته خيرا : أي بخير . وقال بعض نحويي الكوفة : معنى ذلك : ووصينا الانسان أن يفعل حسنا ، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي الدلالة على ما سقط ، وتعمل ما بقي فيما كان يعمل فيه المحذوف ، فنصب قوله حسنا وإن كان المعنى ما وصفت وصينا ، لأنه قد ناب عن الساقط ، وأنشد في ذلك : عجبت من دهماء إذ تشكونا * ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيرا بها كأننا جافونا وقال : معنى قوله : يوصينا خيرا : أن نفعل بها خيرا ، فاكتفى بيوصينا منه ، وقال : ذلك نحو قوله فطفق مسحا أي يمسح مسحا . وقوله : وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما يقول : ووصينا الانسان ، فقلنا له : إن جاهداك والداك لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك ، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم ابتغاء مرضاتهما ، ولكن خالفهما في ذلك إلي مرجعكم يقول تعالى ذكره : إلي معادكم ومصيركم يوم القيامة فأنبئكم بما كنتم